المنظومة التربوية الجزائرية

هي بحوث تربوية منوعة تخص وتعنى بما تغير في مناهج وطرق تدريس وتناول الأنشطة التعلمية في التعليم الابتدائي الجزائري انطلاقا من الموسم الدراسي 2003-2004

صندوق النقد الدولي ودوره في توسيع مفهوم العولمة الاقتصادية _الجزء الرابع

الفصل الثالث
دور صندوق النقد الدولي في تكريس هيمنة الدول الكبرى اقتصاديا

 

تمهيد:

سيتم التطرق في الفصل الثالث إلى أهم جوانب البحث وهو دور صندوق النقد الدولي في تكريس وتجسيد وتحقيق الهيمنة الرأسمالية لصالح الدول الكبار على حساب الدول الأكثر فقرا والتي تملك أراضيها أكثر كنوز الأرض وأعظم خيراتها وسأتكلم دائما بشيء من الوصف والتفصيل، و ذلك بالشرح والتحليل، وفقا لهذا فإن هذا الفصل ينقسم إلى عدة مباحث موزعة كما يلي:

 

 

 

-      المبحث الأول:  ما هي سياسة صندوق النقد الدولي تجاه الدول الكبار؟

§                                المطلب الأول:

التسهيلات التي يمنحها صندوق النقد الدولي للدول الكبار

§                                المطلب الثاني:

تسهيلات صندوق النقد الدولي لأمريكا وتأثيرها على سير نظامه

-      المبحث الثاني:  ما هي أهم الدول الأخرى المؤثرة على سير نظام الصندوق؟

§        المطلب الأول:

المجموعة الأوروبية

§        المطلب الثاني:

اليابان وتأثيرها على جنوب شرق آسيا

-      خلاصة الفصل الثالث

 

 

 

 

دور صندوق النقد الدولي في تكريس هيمنة الدول الكبرى اقتصاديا:

أنشيء صندوق النقد الدولي عام 1944 في بريتون وودز لمواجهة المشاكل القصيرة الأجل التي تواجهها الدول بسبب العجز في موازين مدفوعاتها مع عدم توفر السيولة الدولية لديها لمواجهة هذا العجز.

ولكن التطورات النقدية واحتياجات التجارة الدولية ومتطلبات التنمية الاقتصادية نظرا لترابطها، أدت إلى تداخل التعديلات التي قد تحدث لهذه العناصر في الأجل الطويل، بينما البنك قد دخل ولو بشكل محدود في عمليات الاقتراض التي تساعد على التعديل الهيكلي للتجارة الخارجية لبعض الدول، هذا التدخل أدى إلى تعاون هذه المؤسسة مع الدول المتضررة وذلك بالنصح تارة وبتشكيل لجان قصد تقصي الحقائق تارة أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن الدول الغربية تتحكم في نشاطات الصندوق وإن كانت الدول النامية أعضاء فيه، ولكن التصويت حسب المساهمة الرأسمالية في الصندوق بالإضافة إلى ذلك فإن بنك التسويات الدولية وهو نادي البنوك المركزية الغربية لا تلعب الدول النامية في صنع قراراته أي دور رغم أهميته في توجيه السياسات المالية والنقدية الدولية، كما أن البنوك التجارية العظمى ذات الدور الفعال في المدفوعات المالية والنقدية العالمية هي بنوك غربية تعمل بهدف الربح وإصلاح الاقتصاد الغربي، وليس بهدف التنمية الدولية وصالح الدول النامية، هذا بالنسبة للمؤسسات المالية الدولية، وبالنسبة للأوضاع المالية والنقدية الدولية فإن الأوضاع الحالية تختلف اختلافا بينا عن تلك التي أنشئت في ظلها مؤسسات اتفاقية – بريتون وودز –

فصندوق النقد الدولي غالبا ما ينصح أي دولة تواجهها مشكلة في ميزان مدفوعاتها بما يعرف لديه بسياسات الاستقرار، وهي تتضمن عادة:

§        تخفيض قيمة العملة الوطنية.

§        تحرير التعامل في الصرف الأجنبي أو العمل على الاقتراب من هذا الهدف.

§        الحد من الاستراد.

§        رفع سعر الفائدة المحلية لتشجيع الادخار والحد من التضخم المالي.

§        الحد من الإنفاق الحكومي عن طريق الإعانات للمستهلكين.

هذا ويعتقد الخبراء في صندوق النقد الدولي أن إتباع الدولة لنصائحهم سوف يحقق زيادة من الصادرات، وبالتالي زيادة موارد تلك الدولة من النقد الأجنبي (العملة)، وذلك سوف يحقق خفضا في الواردات وبالتالي مدفوعات الدولة من هذا النقد، وبالنسبة لميزان مدفوعاتها فإن الهدف من تخفيض العملة هو زيادة الصادرات وخفض الواردات.

وهو الشيء الذي قلما يتحقق في الدول النامية لأن كلا من عرض الإنتاج القابل للتصدير والطلب على الواردات الضرورية كلاهما غير مرن، فالإنتاج الزراعي بطبيعة إنتاج غير مرن وخاصة على الأجل القصير، وفي معظم الدول النامية هو إنتاج غير كاف لمواجهة الاستهلاك المحلي، وبالتالي لن يلعب دورا كبيرا في زيادة الصادرات وإعادة التوازن لميزان المدفوعات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول:  ما هي سياسة صندوق النقد الدولي تجاه الدول الكبار؟

سنتعرض في هذا المبحث إلى سياسة صندوق النقد الدولي تجاه الدول الكبار بزعامة أمريكا، وإلى أهم التسهيلات الممنوحة له من قبل هذا الجهاز وإلى الدور الريادي لهذه الدول في السيطرة على أهم قرارات وحوارات اجتماعات المجلس التنفيذي داخل الصندوق، و سنبدأ بـ:

المطلب الأول: التسهيلات التي يمنحها صندوق النقد الدولي للدول الكبار

إن فترة ما بعد الحرب الباردة شهدت انتقال العالم من ثنائي القطبية – حيث كانت القوتان العظميان تحكمان وتهيمانان على مناطق نفوذ مختلفة- إلى عالم آحادي القطبية، عالم انتعشت فيه وتطورت الهيمنة العالمية.ولكن بأي سلطة ولمصلحة من؟ من له صوت في الهيمنة العالمية الجديدة؟

إن دول العالم الثالث أو بالأحرى العالم النامي، لطالما تميزت بإدراكها بأنها دول شديدة الضعف تجاه العوامل الخارجية البعيدة عن إرادتهم وإدارتهم وبالأخص ضعفهم للسياسات والقرارات الاقتصادية منها تحديدا والتي لا يملكونها.

هل دول العالم الثالث هذه، والتي انضمت إليها حديثا دول العالم الثاني السابقة ينظرون إلى أنفسهم وكأن لهم صوت أو قول في الهيمنة العالمية على الهيئات المالية والنقدية ؟أو هل يوجد أحد يتكلم عنهم؟.

إن معظم التركيز العالمي الحالي يدور حول الوكالات والمنظمات العالمية ذات الهيمنة العالمية وخاصة صندوق النقد الدولي(IFM)، وأن القرار في هذه الأخيرة يعود لأصحاب القرارات السياسية المصيرية الذين يتبنون الإيديولوجية الليبرالية مثل أمريكا، واليابان والمجموعة الأوربية ودول أخرى من بينها كندا، وما يعكس هذه الهيمنة أو النفوذ الذي لا حدود له هو اللا مساواة المادية بين الدول فهذه القلة القليلة هي التي تستطيع أن تحدث تأثيرا داخل صندوق النقد الدولي وغيره من المنظمات الأخرى.

كما أن هذه الدول المذكورة آنفا أتحدت على مصالحها مكونة تجمعات اقتصادية قوية البنية أكثر مثل مجموعة الدول السبع الكبار(G7) ثم اضيفت لها روسيا لتصبح أكثر قوة مسمية نفسها مجموعة الثمانية (G8)، وهذه المجموعة هي التي تضع مبادئ ومعايير السياسات الاقتصادية العالمية.ذلك أن مجموعة السبع الكبار(G7) مع باقي دول الإتحاد الأوروبي (European Union)،تمثل 14% من سكان العالم،لكن لها نسبة 56% من مجموع الأصوات في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي،بينما يدعى باقي دول العالم لدعم قرارات وتوصيات مجموعة (G7)،وليس للاجتماع والتداول في أمور مالية عالمية والتشاور حول معالجتها،والسؤال المطروح من أي أتت بالسلطة والشرعية لأن تتصرف هكذا؟ خاصة وان مجموعة السبع (G7) لا تمثل سوى أقل من سدس سكان العالم، بينما بقية الدول العالم من عالم ثان وثالث هي الغالبية العظمى للسكان والجدول المذكور في قسم الملاحق يوضح ذلك أكثر:[1]

وفي هذا السياق، فإنه من المفيد مراجعة مصدر الشرعية الديمقراطية لصندوق النقد الدولي،

إذ أنه أحد المفاتيح الأساسية لدفع نموذج التنمية الليبرالية إلى أن يُـعتمد، والذي يفضل القطاع الخاص على القطاع العام.

وهو الأمر الذي يقودنا إلى القول أن أحد هذه المفاتيح لا تعكس تماما نماذج التمثيل الديمقراطي وهو ما يناقض تصريح المدير العام للصندوق السيد كامديسيسCamdessus) عندما سُئل إن كان الصندوق في أيدي القوى العظمى، فأجاب بـ:

((إن الصندوق في أيدي الأعضاء المنتمين إليه، وأن لكل دولة قوة تصويت تعادل حصتها، ومساهمتها في رأسمال الصندوق، والتي هي بدورها تحدد بأنها الحصة الكبيرة أو الصغيرة حسب حجم اقتصاد كل بلد.وعلى أساس هذا فإن الولايات المتحدة لديها قوة تصويت تساوي 17.7% و أن لباقي دول العالم 82.3% من قوة التصويت.ولو كانت الدول الأوروبية متحدة فإن قوة تصويتهم ستصبح أكثر أي ما يعادل 30%، وحتى أن الدول النامية لو اتحدت ووحدت قواها في مجموعة الـ11(G11) فإنها في النهاية ستشكل قوة تصويت ضاغطة داخل الصندوق، يحسب له ألف حساب وأن التصويت الذي يجري داخل الصندوق لا يتم، وبشكل عام، عن طريق أن الأكثرية تفرض حلولا على الأقلية بل أن الجميع يشتركون في مناقشات وحوارات حول الحلول، حتى الوصول إلى شبه إجماع حول كيفية معالجة الأمور المطروحة وطرق معالجتها))[2]

والجدول المذكور في قسم الملاحق، يعطي صورة أكثر وضوحا على التصويت داخل صندوق النقد الدولي: [3]

إذ أننا نجد:

الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة في صندوق النقد الدولي والتي لديها قوة التصويت الأوفر حظا لتمارس حق الفيتو من جانب واحد.وهذا الحق الواضح والبين للولايات المتحدة في قوة التصويت يجعل سلطتها وقراراتها مقبولة ولا تـُناقش، دون الحاجة إلى استعمال ذلك الحق باستمرار.[4]

فقوة الفيتو الكامنة فيه هي بحد ذاتها قوة رادعة، ويمكن أن تكون عنصرًا فعالاً في التأثير على قرارات الصندوق وتوجيهها حسب المصالح الخاصة لأمريكا، وجعل الاتفاق يخرج كما لو كان قد وقع بالإجماع.

إن هذه السياسة عمقت أزمة لا ثقة بين الصندوق وأعضائه المنتمين له وهو ما تفسره أزمة التسعينات والتي حدثت في شرق آسيا، وروسيا والبرازيل، وطعن في مدى مصداقية الصندوق تجاه الدول النامية.فكوريا مثلا، ترى تطابقا كبيرا بين سياسة صندوق النقد الدولي وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية.وهي ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية وكأنها استغلت أزمتها الاقتصادية للعمل عن طريق صندوق النقد الدولي لتمرير سياستها التجارية الموجودة سابقا وبرامج استثمارتها.

هذا النقد اللاذع يأتي من دول يعتبرها أكثر الخبراء من حليفة تقليدية للولايات المتحدة الأمريكية فما بالك بالخصوم.

كما أن تدخل صندوق النقد الدولي في إعادة هيكلة اقتصاديات شرق آسيا مكّن شركات العالم الأول (الدول الأكثر تطورا) من أن تنتهز فرصة في مساومة شركات شرق آسيا على أسعار تعتبر الأدنى.ففي عام 1998 حققت الشركة الأوروبية والأمريكية أرباحا تفوق 30 مليار دولار في تسلمها وتوليها للشركات الآسيوية، وهو ما يوازي أربعة أضعاف أرباحها عام 1997.حتى صرح أحد الخبراء الاقتصاديين معلقا على هذا الربح الخيالي قائلا:

(( إن هذه العملية هي أكبر عملية سلب أموال عالمية حصلت إلى حد الآن ))

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب الثاني: تسهيلات صندوق النقد الدولي لأمريكا وتأثيرها على سير نظامه

ظهرت الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كأكبر قوة اقتصادية مهيمنة على الاقتصاد العالمي، بفضل ضخامة انتاجها وحجم استثمارتها في الخارج، والدور العالمي لعملتها بعد مؤتمر برتن وودز سنة 1944.

ورغم التراجع النسبي في هيمنتها على الاقتصاد الدولي، بعد ظهور قوى اقتصادية جديدة منافسة لها كالإتحاد السوفييتي سابق واليابان، واستعادة أوروبا الغربية مكانتها وتأميم شركاتها في الكثير من دول العالم الثالث، فإن الولايات المتحدة لا زالت تحتفظ بتفوقها العالمي.

لا تلعب التجارة الخارجية في الولايات المتحدة الدور الذي تلعبه في دول أوروبا الغربية واليابان،فإن حجم الصادرات لا يمثل سوى 7% من دخلها القومي الخام،ومع هذا فإن الولايات المتحدة تساهم بـ 12.3% من الصادرات العالمية و18.9% من الواردات عام 2000.

بعد انهيار الإتحاد السوفيتي أضحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في عالم يزداد تقلصا. مع تنامي التداخل ووسائل الاتصال والعولمة في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد وتبادل المعلومات والثقافة، ونظرا إلى دور الولايات المتحدة المركزي في معظم هذه المجالات بات من الصعوبة بمكان التمييز بين الحد الذي ينتهي عنده النفوذ الأمريكي والحد الذي تبدأ معه العولمة-سواء أكانت العولمة مجرد شكل من أشكال الأمركة العالمية، أم كانت فعلا ظاهرة مستقلة في ذاتها ستنحسر السيطرة الأمريكية عنها شيئا فشيئا في المستقبل المنظور.

في الواقع، قبل انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينيات، ومع تزايد ديون وعجز ميزانية الولايات المتحدة في السبعينيات، وبتزايد التحديات الاقتصادية من قبل دول شرق آسيا وأوروبا ودول أمريكا الجنوبية والوسطى ساد رأي مشترك خلال الثمانينيات بين كبار الباحثين الغربيين أمثال بول كنيدي في كتابه صعود وهبوط القوى العظمى ودايفد كاليو في كتابه أبعد من السيطرة الأمريكية ووالتر روسل ميد في كتابه الأبهة الفانية، ساد بينهم رأي شبهوا الولايات المتحدة فيه بإمبراطورية هابسبورغ في أسبانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، أو بالإمبراطورية الرومانية في سنواتها الأخيرة حيث استنزفت التزاماتها العسكرية الواسعة اقتصادها وحيويتها وأدخلتها على طريق التقهقر المؤكد والسريع. ولكن بانهيار الاتحاد السوفيتي وتراجع الاقتصاد الياباني ونجاح تحول الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد خدماتي ومعلوماتي مرن على نحو عجزت أوروبا عن اقتفاء خطاه، أخذ الأخصائيون يعيدون النظر في فرضياتهم ويعتبرون أن الولايات المتحدة ربما قد خرجت من أزمتها وأعادت تأمين موقع عالمي مسيطر لنفسها في القرن الحادي والعشرين.

ما هي عناصر هذه الهيمنة العالمية، وما هو حظها في الاستمرار، وما هي التحديات التي تواجهها، وكيف ينبغي على الدول والأمم والأقاليم الأخرى أن تتعاطى معها وأن تواجهها[5].

في هذه الدراسة سأتكلم على الناحية الاقتصادية، آملا أن أقدم فيها نظرة سريعة ولكن معبرة عن موقع الولايات المتحدة في كل منها. والمقصود من هذه الورقة هو أن تكون إطارا لفهم موقع الولايات المتحدة في عالم اليوم، وأساسا للتفكير بما يجب على الأمم والدول الأخرى فعله أمام موقع السيطرة الأمريكية.

في العام 1941 بدت الولايات المتحدة وكندا وكأنهما آخر دولتين رأسماليتين في العالم قادرتين على الاستمرار. فقد استولت تجارب متنوعة من الأحكام الشيوعية والاشتراكية الديموقراطية والفاشية على السلطة في أماكن أخرى من العالم وبدا أن الرأسمالية المتبقية من القرن التاسع عشر سائرة نحو الاحتضار السريع. وعلى الرغم من عودتها إلى الساحة بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة هزيمة ألمانيا النازية وبسبب تحول أوروبا الغربية واليابان بفعل النفوذ الأمريكي، كانت الاشتراكية والشيوعية في أوائل الستينات تسيطران على معظم أوروبا الوسطى والشرقية وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، كما بدا النمو الاقتصادي السوفيتي أسرع من النمو الأمريكي. ولكن خلال السبعينات والثمانينات تقهقرت الاشتراكية والشيوعية، وبحلول التسعينات بدت الرأسمالية وكأنها نظام التعامل الاقتصادي دون منازع. كان من شأن هذا الفوز الأخير أن أعلن بعض المراقبين الأمريكيين مثل فرنسيس فوكوياما نهاية التاريخ، بمعنى أنه بعد قرنين من التناقض والخلاف بين الرأسمالية والاشتراكية بدت الرأسمالية فائزة بالصراع حاسمة بذلك، حسب زعمه، الجدل التاريخي حول النظام الاقتصادي الأنسب للبشرية.

لقد أدت الولايات المتحدة دورا رئيسا في دعمها للرأسمالية وفي ظفر هذه الأخيرة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ففضلا عن كونها طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أكبر سوق وأكبر دولة مصدرة في العالم جعلت الولايات المتحدة من بناء اقتصاد عالمية رأسمالي حجر أساس في توجهها على الصعيدين السياسي والاقتصادي الدولي. ولما كانت أكبر دولة مصدرة، لها مصلحة إذا في الإنماء الاقتصادي على الصعيد العالمي لكونه يغذي نموها الاقتصادي. وكي تحافظ على أنظمتها ومؤسساتها الرأسمالية في وجه التهديدات التي تكونها أنظمة اجتماعية اقتصادية أخرى، وأهمها الشيوعية السوفيتية، أنفقت الكثير على انتشار اقتصادات رأسمالية في بلدان أخرى، وعلى الأخص في عدويها السابقين ألمانيا واليابان، وفي بلدان أخرى في أوروبا الغربية وفي شرق وجنوب شرقي آسيا. فإضافة إلى مشروع مارشال في أوروبا الغربية وإلى المساعدات الضخمة التي قدمتها إلى شرق آسيا، استعملت الولايات المتحدة مساعداتها الخارجية لمناطق أخرى في العالم النامي تعزيزا للمؤسسات والاقتصادات الرأسمالية حيثما أمكن ذلك.

رافق هذه الجهود إقامة مؤسسات اقتصادية رأسمالية على نطاق عالمي نتيجة اجتماعات بريتون وودز (Bretton Woods) بين عامي 1944 و1947 مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقية الغات (GATT) وغيرها من المؤسسات الاقتصادية العالمية التي تسيطر عليها أمريكا، هذا فضلا عن عشرات الاتفاقات التجارية الثنائية أو متعددة الأطراف مع مختلف دول العالم. ولا ريب في أن الاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية استراتيجية ذات طابع عالمي علما بأنها لم تشمل جزءا من العالم ما دامت هناك أنظمة اشتراكية وشيوعية كانت لا تزال في قيد الحياة؛ وبزوال معظمها في السنوات الماضية استطاع النظام الرأسمالي أن يتحول إلى نظام عالمي حقا.

واستعملت الولايات المتحدة سوقها الداخلية الواسعة في خدمة استراتيجيتها الدولية، بحيث بكرت في فتحها أمام حلفائها الجدد مثل ألمانيا واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية لمساعدتها على النهوض باقتصاداتها، وذلك من أجل بعث استراتيجية إنمائية قوية يكون التصدير قوتها الدافعة. ولئن خلق ذلك عجزا تجاريا جديا للولايات المتحدة فقد خدم أيضا مصالحها الدولية الرامية إلى خلق دول رأسمالية حليفة وقوية في أنحاء عدة من العالم وجعل اقتصادات تلك البلدان مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي وتابعة له، وعقب ما سببته الحرب العالمية الثانية من دمار برز الاقتصاد الأمريكي كقوة مهيمنة في الاقتصاد العالمي. وقد استعملت الولايات المتحدة موقعها القوي هذا بعد الحرب لخلق حلف دولي سياسي واقتصادي على أساس مساعدة ألمانيا واليابان وفي محاولة لأحداث نمو سريع في أوروبا الغربية وفي شرق وجنوب شرق آسيا لمواجهة التهديدات السوفيتية والصينية. تحققت منذ الخمسينات مستويات عالية من النمو في تلك المناطق وقابلها ورافقها مستويات عالية أيضا من النمو في الاتحاد السوفيتي. ومع بداية تراجع الأداء الاقتصادي السوفيتي في أواخر الستينات، أخذ تحد اقتصادي جديد يذر بقرنيه في شرق وجنوب شرق آسيا على شكل سلع تصديرية رخيصة الثمن ورفيعة الجودة أخذت تغرق السوق الأمريكية وتهدد بخلق عجز جدي في الميزان التجاري. وازدادت مشكلة الولايات المتحدة هذه بسبب ارتفاع أسعار النفط عام 1973 و 1974 وبالصعوبات التي رافقت التحول من اقتصاد صناعي إلى آخر قائم على الخدمات والتقنية في حقل الإعلام والمعلومات. وقد استطاعت الولايات المتحدة، على الرغم من المشاكل الجدية التي واجهت اقتصادها في السبعينات والثمانينات أن تتحمل عجزا ضخما في ميزانها التجاري وأجرت إعادة بنيان لاقتصادها، واستعادت في أوائل التسعينات المبادرة في القوة الاقتصادية. وفيما لا تزال أوروبا الغربية تقاوم ارتفاع كلفة الإنتاج فيها وارتفاع البطالة وعوائق أخرى، وفيما اليابان تفوق حصتها في الأسواق في صناعتي السيارات والكومبيوتر الهامتين وأعادت تأكيد موقعها على أنها أكبر سوق وأكبر دولة مصدرة في العالم. ولعل الأهم أنها بإنفاقاتها وبتفوقها في الأبحاث في حقل التقنية الرفيعة والتطوير وضعت نفسها في موقع جيد يخولها الاستمرار في السيطرة على الأسواق العالمية لبرامج الحاسوب وشبكة الاتصالات العالمية (انترنت) في مطلع القرن الحادي والعشرين.

مع ذلك فإن موقع الولايات المتحدة القوي في الاقتصاد العالمي ليس مطلقا على مستوى مناعة موقعها العسكري، بكلام آخر، ولئن كان من الصحيح إن إطار الأمن السياسي الدولي ذو قطب واحد فإن الاقتصاد العالمي متعدد الأقطاب. فمجمل اقتصاد أوروبا الغربية أضخم من الاقتصاد الأمريكي وكذلك هو اقتصاد منطقة شرق وجنوب شرق آسيا بوجه عام. كما أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يواجه مشاكل جدية قد تهدد نموه في المستقبل. ومن هذه المشاكل العجز في الميزان التجاري، وعلى الأخص مع شرق آسيا، البالغ قرابة 160 مليار دولار في السنة، وديون دولية متراكمة تربو على الألف مليار دولار. وكانت الولايات المتحدة قد اعتمدت التسامح تجاه العجز التجاري على أنه جزء من استراتيجياتها الرامية إلى تقوية حلفائها الرأسماليين عقب الحرب العالمية الثانية. ولكن حجم وثبات العجز أبقى الضغط على الدولار الأمريكي وبقي ينطوي على خطر التسبب في انخفاض مفرط في قيمة الدولار. لقد استطاع الدولار الحفاظ على مركز قوي نظرا إلى ثقة المستثمرين بالاقتصاد الأمريكي وإلى غياب عملة بديلة قادرة على الاستمرار، ولأن اقتصادات شرق آسيا يهمها بقاء الدولار قويا لتنشيط صادراتها. إلا أن استمرار العجز مشفوعا بنمو الاقتصاد الصيني نموا سريعا، علما أن الصين تصدر سلعا كثيرة إلى الولايات المتحدة، قد يكون له تأثيرات مدبرة في الدولار وكذلك في اقتصادات شرق آسيا نفسها التي تعتمد على التصدير إلى الولايات المتحدة وعلى أسواق المال العالمية. لقد أدى العجز في الميزان التجاري إلى توسع الاستثمارات الأجنبية، وخصوصا اليابانية منها، في الولايات المتحدة، وكذلك إلى شراء شطور كبيرة من الاقتصاد الأمريكي ومنها العقارات والمؤسسات الصناعية والخدماتية. كما أن الدين الخارجي البالغ ألف مليار دولار والمتوجب في أكثره لليابان، يفرض نزفا مستمرا على الميزانية العامة ويحول دون توظيف موارد مهمة في الاقتصاد وفي الأنشطة الإنتاجية. ولئن كان بالإمكان تحمل هذا الدين نظرا إلى الناتج القومي الأمريكي الذي يربو على السبعة آلاف مليون دولار، يبقى هذا الدين معيقا للنمو السريع.

ثمة عامل آخر يهدد قدرة أمريكا على تمويل النمو، هو المستوى المتدني للادخار فيها مقابلة ببلدان أخرى متطورة. ونظرا إلى التشديد على الاستهلاك والاقتراض وإرضاء رغبات المستهلك بسرعة نرى أن نسبة الادخار الأمريكي تعادل نصف نسبته في اليابان ولا تتجاوز ثلثيها في ألمانيا. إن مستويات الادخار المتدنية تهدد القدرة على التثمير اللازم في البنية التحتية وفي التنمية، كما تهدد القدرة على اتخاذ الإجراءات المناسبة للمستقبل.

المجالات الأخرى حيث ستواجه الولايات المتحدة فيها مصاعب اقتصادية تتضمن انخفاض نوعية ومستوى التثمير في التعليم والتدريب، ذلك أن الاقتصاد في المستقبل سيزداد اتكالا على قوة عاملة رفيعة الثقافة والتدريب، إلا أن نظام التدريس والتدريب الأمريكي، دون مستوى الجامعة، هو من الأضعف في العالم المتقدم. وعلى الرغم من تشديد إدارة كلينتون على التربية لكونها الطريق المؤدي إلى النمو في المستقبل فإن لا مركزية التعليم في الولايات المتحدة قد حالت دون حصول تقدم سريع ودرامي. ويزيد من تعقيد هذه المشكلة توزيع الثروة الذي يشكو عدم المساواة، وهذا التوزيع هو أيضا من الأسوأ في العالم المتقدم. وعلى الرغم من المكاسب التي تحققت في هذا المضمار في سنوات الستينات والسبعينات كان النمو في الثمانينات قليل التساوي وأفاد فيها فقط العشرون في المائة الأغنى من الشعب الأمريكي، فيما ازداد الفقراء ورأت الطبقات الوسطى قدرتها الشرائية تتضاءل. واستمرار وجود الفقر في الولايات المتحدة مقرون بنظام تربوي ضعيف يهدد بتوسيع الطبقات المحرومة التي لا يستهان بإعدادها في الولايات المتحدة، وهي أيضا بعيدة من الاقتصاد المنتج وتهدد أيضا بتفاقم العنف والانحلال الاجتماعي والسياسي، وخصوصا في كبريات المدن الأمريكية مثل نيويورك وواشنطن وشيكاغو

 ولوس أنجلس، وفي مطلق الأحوال ستبقى الولايات المتحدة قادرة على الاستمرار في تأدية دور مركزي في الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين. فالاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي صممته وروجت له بعد الحرب العالمية الثانية يبدو على أنه مسيطر، والولايات المتحدة، على الرغم مما لها من منافسين أقوياء في أنحاء العالم، لا تزال الأقوى بينها، ولا تزال تتحكم بالكثير من المؤسسات الاقتصادية ومؤسسات التجارة العالمية وتسيطر عبر الخليج العربي على المصادر الرئيسية للطاقة اللازمة للاقتصاد العالمي والأهم من ذلك لزومها (الطاقة) لاقتصادات كبار منافسي الولايات المتحدة مثل اليابان وألمانيا، ولما كان الاقتصاد الأمريكي قد تحول عن الصناعة إلى الصيرورة اقتصادا خدماتيا فقد بات على كبار منافسيها في أوروبا وفي شرق آسيا مواجهة هذا التحدي. ومع ذلك، ونظرا إلى كون الولايات المتحدة أكبر دولة مصدرة في العالم فذلك يعني أن لها المصلحة الكبرى في إنماء الاقتصاد العالمي وإرساء الاستقرار العالمي. لذلك فإن سياستها العامة المنبثقة من مصالحها الاقتصادية الذاتية قد تستمر في العمل على تقوية الرأسمالية العالمية كي تكون أساسا للصادرات الأمريكية، وقد تستمر أيضا سياستها الرامية إلى إحلال السلم الأمريكي توفيرا لسوق عالمية ضرورية لعافية الاقتصاد الأمريكي.

 

 

 

 

المبحث الثاني:  ما هي أهم الدول المؤثرة الأخرى على سير نظام الصندوق؟

سنتعرض في هذا المبحث إلى أهم الدول المؤثرة الأخرى غير أمريكا على سير نظام صندوق النقد الدولي، وإلى أهم نقاط القوة في بنية ومرتكزات هذه الدول التي هي أوفر حظا من سائر دول العالم الأخرى داخل صندوق النقد الدولي، ذلك الجهاز الذي يملك في حجم الأصوات يملك جل قراراته الحاسمة والريادية، وخاصة داخل المجلس التنفيذي للصندوق، ولهذا سنبدأ بـ:

المطلب الأول: المجموعة الأوروبية

عقب الدمار الكبير والخسارة الكبيرة بالأرواح خلال الحرب العالمية الثانية - وهي ثاني مرة خلال جيل واحد تنغمس بها أوروبا بالحرب - اجتمعت ست دول أوروبية لإيجاد وسيلة لمنع حدوث ذلك مرة أخرى. فقررت كل من فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا بأن أفضل طريقة لمنع وقوع حرب مرة أخرى هي العمل معا على إنتاج الفحم والصلب، حيث أنهما كانا المصدرين الأساسيين اللازمين للقتال في الحروب. وبالتالي اتفقوا على تشكيل المجموعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951.

المجموعة الأوروبية للفحم والصلب :

 اعتبر تأسيس هذه المجموعة نجاحا - لذا قررت حكومات كل من هذه الدول توسيع هذا التعاون ليضم مجالات أخرى عام 1957، وذلك حين وقعت الدول الست على اتفاقية روما. استندت هذه الاتفاقية على عمل المجموعة الأوروبية للفحم والصلب وشكّلت هيئتين دوليتين آخرتين: المجموعة الاقتصادية الأوروبية والمجموعة الأوروبية للطاقة الذرية (يوراتوم) لتعملا جنبا إلى جنب مع المجموعة الأوروبية للفحم والصلب.

المجموعة الاقتصادية الأوروبية (EEC):

 تم التوقيع على اتفاقية عام 1965 تجمع العناصر المتفرقة للاتفاقيات السابقة. وحيث أن أكثر الهيئات تأثيرا كانت المجموعة الاقتصادية الأوروبية، أصبح هذا هو الاسم الذي يطلق على المجموعة.

 وفي عام 1973 توسعت المجموعة الاقتصادية الأوروبية لتضم الدنمارك وأيرلندة والمملكة المتحدة. وأجرت بريطانيا استفتاءا عاما في 1975 حول عضويتها في المجموعة، والذي صوت الشعب البريطاني فيه لصالح البقاء ضمن المجموعة الاقتصادية الأوروبية. وفي عام 1979 صوت الأوروبيون في أول انتخابات مباشرة للبرلمان الأوروبي. وفي قمة ميلان عام 1985، اتفق القادة الأوروبيون على الاحتفال بيوم أوروبا في 9 مايو (أيار) من كل عام.

 انضمت أسبانيا والبرتغال للمجموعة عام 1986. وفي هذا العام تم البدء بإصدار جوازات السفر الأوروبية، ورفع العمل الأوروبي على أنغام السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وهي تمثل السلام الأوروبي. كما دخل القانون الأوروبي الموحد حيز التنفيذ ليزيل العوائق التجارية المصطنعة ما بين الدول الأعضاء لكي تتمكن البضائع ورؤوس الأموال والخدمات وكذلك الأفراد من التنقل والعيش والعمل بحريّة دون قيود في أي من الدول الأعضاء.

الإتحاد الأوروبي:

 جرت أول مباحثات حول أدوار ومسؤوليات المجموعة الأوروبية الاقتصادية خلال اجتماع ماسترخت في هولندا عام 1991، وهو الاجتماع الذي نتج عنه اتفاقية الاتحاد الأوروبي - وجمع مختلف الهيئات الأوروبية ضمن إطار واحد أُطلق عليه اسم الاتحاد الأوروبي.

الاتفاقية:

·        وضعت جدولا زمنيا للوحدة الاقتصادية والنقدية (اليورو).

·        وضعت سياسات تغطي القضايا "الاجتماعية" مثل حقوق العمال والصحة والسلامة.

·        بدأت إجراءات تمكين دول أوروبا الشرقية من الانضمام للاتحاد الأوروبي.

 ولأول مرة أصبح هذا يعني أن بإمكان مواطني أية دولة في الاتحاد الأوروبي السفر والعمل بحريّة في أي دولة أخرى عضو في الاتحاد.

 وفي الأول من يناير (كانون ثاني) 1993 تم رفع جميع العوائق التجارية، وهي من أهم الخطوات المتخذة لتشكيل السوق الموحدة.

 تم التوقيع على اتفاقية أمستردام عام 1997، وهي تحديث لاتفاقية ماسترخت للتحضير لتوسعة الاتحاد الأوروبي لكي يضم دول أوروبا الشرقية، كما أنها عززت "الفصل الاجتماعي" بالاتفاقية الذي تضمن قانونا حول التوظيف والتمييز.

 وفي عام 1998 اتخذ الاتحاد الأوروبي أول الخطوات الرسمية نحو الشرق تجاه توسعة الاتحاد عن طريق البدء بمفاوضات رسمية مع هنغاريا وبولندة وإستونيا وجمهورية التشيك وسلوفينيا وقبرص. وبعد مضي عام، بدأت رومانيا وسلوفاكيا ولاتفيا وليثوانيا وبلغاريا ومالطا المفاوضات للانضمام للاتحاد الأوروبي. كما تقدمت تركيا بطلب للعضوية.

 وفي يناير (كانون ثاني) 1999، استوفت إحدى عشرة دولة معايير تبني اليورو كعملة رسمية ابتداء من أول يناير (كانون ثاني) 2000. واستوفت اليونان هذه المعايير بعد ذلك بعامين. وفي الأول من يناير (كانون ثاني) 2002، حلت الأوراق النقدية والعملة المعدنية لليورو محل العملات الوطنية في تلك الدول الاثنتى عشرة. ولم تتبنى كل من المملكة المتحدة والسويد الدنمارك اليورو عام 2002.

وفي الأول من مايو (أيار) 2004، اتخذ الاتحاد الأوروبي أكبر خطواته نحو التوسع بانضمام عشر دول جديدة لعضويته (قبرص، جمهورية التشيك، إستونيا، هنغاريا، لاتفيا، ليثوانيا، مالطا، بولندة، سلوفاكيا، سلوفينيا).

الاتحاد الأوروبي اليوم هو أكبر شراكة سياسية واقتصادية في العالم، حيث يشكل 38% من التجارة الحرة. ومع إمكانية حرية الحركة للبضائع والخدمات والأفراد لمواطنيه البالغ تعدادهم 500 مليون نسمة، يوفر الاتحاد الأوروبي الفرص للجميع.

المطلب الثاني: اليابان وتأثيرها على جنوب شرق آسيا

في معظم أنحاء العالم في المنازل والشوارع وعلى الشواطئ وفي الصحراء وفي أعالي الجبال يغزو المنتج الصناعي الياباني حياة الناس، حتى ان بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بدأت تضيق ذرعا بهذا الزحف الياباني إلى درجة وضع العراقيل واستصدار القوانين لوقف هذا الزحف الصناعي الياباني، بينما بعض الدول مثل روسيا والصين تحاول الاستفادة من الخبرة اليابانية في بعض مجالات التصنيع والتعدين...بعد أن تفوقت في صناعة العدسات وآلات التصوير وفاقت سويسرا في صناعة الساعات،كما ضاعف اليابانيون دخلهم القومي واستطاعوا ان يتحكموا بنجاح في نسب التضخم العالية،التي اجتاحت الاقتصاد الرأسمالي الغربي وهي تتوجه اليوم لغزو التكنولوجيا المتقدمة.

فالسوق الياباني المكون من 127.3 مليون نسمة سنة 2001 ، موزع في أربع جزر رئيسية كبرى (هوكايدو،هونشو،شيكوكو،كيوشو)،إضافة إلى جزر أوكيناوا و كل هذه الجزر متناثرة في الأرخبيل الياباتي،تعدادها 3400 جزيرة وهي على امتداد 3000 كم في عرض المحيط الهادي،هذا الشعب أو السوق المحلي هو قاعدة الصناعية اليابانية ليس من حيث الإنتاج،ولكن أيضا من حيث التسويق،فاليابان لديها أكبر رقم في مصنع السيارات متواجد على أرضها،فهناك 9 مصانع في الوقت الذي لا يوجد على أرض أمريكا سوى أربعة مصانع فقط.[6]

كما أن اليابان ليست مزدهرة بسبب التصدير الخارجي، فاتساع السوق الداخلي يجعلها لا تصدر سوى 13% من مجموع إنتاجها المحلي مقارنة ببريطانيا التي تصدر 20.5% أو ألمانيا التي تصدر 26.7% أو كندا التي تفوق 29% من مجمل إنتاجها المحلي.

وفي الوقت الذي يكون فيه العامل الياباني أكثر عمال العالم عرقا، فإن متوسط عدد ساعات العمل للعامل الياباني سنويا 2164 ساعة عمل، نجد مثيله العامل الأمريكي لا يعمل أكثر من 1931 ساعة عمل في السنة،أما العامل الألماني فأقل من ذلك حيث متوسط ساعات عمله لا يزيد على 1728 ساعة عمل سنويا.[7]

كما أن أجور العمال اليابانيين تفوق في كثير من الصناعات أجور العمال في فرنسا وبريطانيا لقد استوعب اليابان معظم التكنولوجيا المتوفرة في العلم قبل الحرب العالمية الثانية واستخدمتها استخداما ايجابيا في تقدمها الصناعي لتكون رائدة دول جنوب شرق آسيا بل حتى العالم بأسره في كثير من الأنشطة الصناعية، وكما يحب اليابانيون أن يصفوا أنفسهم بقولهم:فإذا كان العالم يلهو فاليابان يعمل[8]،

يمكنني أن أصفهم كذلك كقوة مشهودة تترآى لنا في كثير المنتجات التي أغرق اليابانيون الأسواق العالمية بتفانيهم وجودتهم واتقانهم الذي يحار المرء في وصفه أو إعطاء نظير لهم في العالم...

إن الظاهرة الاقتصادية اليابانية البارزة للعيان صنعتها جملة من الظروف أوالعوامل منها:

v    العامل التاريخي المتمثل في:

¹      انتشار الثورة الصناعية الأوروبية في اليابان في عهد الميجي موتسو – هيتو (1868-1912)، كما أن اليابان من الدول التي لم تتعرض للسيطرة أو الهيمنة الاستعمارية الأجنبية كأغلب الأقطار الآسيوية، بل إن اليابان استفادة في سيطرتها على بعض دول الجوار من مواردها وثرواتها النفيسة المختلفة مثل تايوان (1895-1945 )، وكوريا (1910 – 1945)، ومنشوريا الصينية (1931- 1945).

¹     سياسة النظام الديكتاتوري العسكري الياباني الذي استلم الحكم بعد انقلاب 26/02/1936 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية في أوت 1945 من القرن المنصرم، هذه السياسة وإن كانت ديكتاتورية إلا أنها كانت تشجع الصناعة الثقيلة والحربية ومنح الأولوية لصناعة الفولاذ، وإنتاج الفحم.

¹     وبالاستفادة كذلك من الحرب الكورية (1950-1953)، فقد كانت تقوم بتموين القوات الأممية التي ناهزت مليون جندي بالمواد الاستهلاكية الغذائية والنسيجية والالكترونية، ومن المساعدة المالية الأمريكية الخاصة بموجب معاهدة الأمن المتبادل والتي وقعها البلدان سنة 1952.

v     العامل السياسي وهو متمثل في:

¹     استقرار أوضاع السياسية والأمنية بعد الحرب العالمية الثانية.

¹     طبيعة نظام الحكم السائد في اليابان فهو ديمقراطي، ليبرالي، تعددي، دستوري، وبرلماني منتخب.

¹     استغلال النظام الحاكم في اليابان لمعاهدة سان فرانسيسكو الموقعة في 08/09/1951 مع الحلفاء، والتي حرمت على طوكيو التسلح مما أدى بالحكام آنذاك إلى تحويل نفقات العسكرية إلى مشاريع إنتاجية وتنموية.

v     العامل الاقتصادي وهو متمثل في:

¹     تشجيع الاستثمار الخاص بموجب قانون سنة 1952 الذي خفف العبء الضريبي في مجالات إنشاء المصانع والمعدات.

¹     تأسيس عدة بنوك بعد الحرب العالمية الثانية لتمويل الاستثمارات كبنك الصادرات والواردات الياباني1950، وبنك التنمية الياباني 1951.

¹     قوة شبكة النقل والمواصلات التي تعد شريان الحياة الاقتصادية كوجود 1080 ميناء، 1.1 مليون كم من الطرق البرية، 27454 كم من خطوط السكة الحديدية، و6535 باخرة.

¹     ارتفاع نسبة الأيدي العاملة والشغيلة ذات الطابع الصناعي نحو 29.96% سنة 2001 أي 19.21 مليون عامل، وهي شديدة التأطير والتخصص.[9]

v    العامل الاجتماعي والثقافي وهو متمثل في:

¹     حيوية المجتمع الياباني المقدس للعمل، فحتى في إضرابه عن العمل له فلسفته الخاصة حيث يضاعف ساعات العمل واضعا أحزمة حمراء على إحدى ذراعيه.

¹     تجانس المجتمع الياباني من حيث مقوماته الوطنية (عرقا ولغة ودينا وتاريخا... ).

¹     ضخامة عدد السكان حيث بلغ تعداد السكان في اليابان 127.291 مليون نسمة عام 2001 ،مما شكل قوة اقتصادية لا يستهان بها كما أن نسبة  الفئة النشطة تجاوزت 53% عام 2001 ،أي 67.520 مليون نسمة من ضمنها 67.7% لفئة أعمارهم بين 15 إلى 65 سنة.[10]

 

بعد هذا السرد الذي سردنا لجملة من التأثيرات والعوامل التي صنعت مجد أمة كاليابان يتضح لنا جليا أن اليابان لم يكن ظهورها كقوة اقتصادية مهيمنة على الاقتصاد العالمي، بقدر ما هي قوة طامحة في السيطرة على المناطق المتاخمة لها لتصنع مجدها كالأمم القوية التي يحفل التاريخ بذكرها وذكر أيامها الخالدة.

 

 

 

 

 

خلاصة الفصل الثالث:

ختمت بحثي ودراستي بالمبحث الثالث حيث تكلمت عن الدور الفعال الذي لعب ولا يزال يلعبه صندوق النقد الدولي في تجسيد وتوطين هيمنة الدول العظام الكبرى اقتصاديا وذلك تحت ظل سياسة اقتصادية ليبرالية محبكة الخيوط والتي لا يسلم من شراكها إلا من ملك أمره وسدد خطاها، هذه السياسة المنتهجة من قبل صندوق النقد الدولي أعطت الأفضلية الكاملة بل حصة الأسد في حجم التصويت للدول الكبار الأعظم اقتصاديا داخل المجلس التنفيذي حيث مركز القرارات، ومن ثم تحسم النقاشات والحوارات بمن يملك حق الفيتو الذي هو نفس قوة ضاربة لكل ما ليس في صالح الدول الكبار وعلى رأسها أمريكا، التي تملك أكبر نسبة تصويت مثل ما حققت داخل المجلس التنفيذي للـ IFM 17.68% من حجم الأصوات رغم أن تعداد سكان 276 مليون نسمة فقط في حين أنها مع اليابان و بريطانيا وألمانيا وفرنسا والسعودية يرتفع هذا الحجم إلى43.67% من حجم الأصوات ككل،بينما نجد أن العالمين الثاني والثالث السائرين في طريق النمو رغم السواد الأعظم من السكان 5.4 مليار نسمة يصوتون بـالباقي أي 56.33%،إن هذا لا العدل والمساواة ولا تكافؤ في توزيع الأصوات حسب تعداد السكان أحدثه نظام الصندوق الجائر الذي وضعه أصحابه لجعل الدول الصناعية الكبرى تنال حصة الأسد وتهيمن على الصندوق وغيره من المنظمات الاقتصادية الدولية تركين باقي العالم يقبع في فقره وتخلفه عن ركب الحضارة والرقي والرفاهية التي تنعم بها الدول الكبار بلا منازع.

كما أن الدول الكبار من خلال هذا الحجم غير العادل من الأصوات تمرر مشاريعها وسياساتها التجارية وبرامجها الاستثمارية بقوة الصندوق وتحت سلطته التنفيذية دونما قيد أو مانع.

إن صندوق النقد الدولي اليوم يعمل في صالح الدول الكبار مثل أمريكا واليابان والإتحاد الأوروبي المتشكل حديثا، مقتسمين ما تخرج به قرارات الصندوق وغيره من الهيئات والمؤسسات الاقتصادية العالمية الأخرى التي ليس للعالم النامي بالذات إلا العضوية التي أعطت للصندوق حرية التعامل مع اقتصادياته المنهارة من جرّاء النظام الشمولي الاشتراكي الذي طُبق ارتجالاً دون مراعاة لخصوصيات مجتمعاته التي تختلف جملة وتفصيلا عن المجتمع الذي احتضن الاشتراكية ونظّر لها وشرع معتنقو أفكارها في بثه في أنحاء الدنيا ظنـًّا من أنفسهم أنه النظام الذي يصلح للعالم بأكمله.

إذًا هذا الواقع الذي نعيشه اقتصاديا في عالمنا النامي نسجت خيوط شراكه في بريتون وودز يوم أن كان شعوبه تئن تحت وطأة الآلة الحربية الاستعمارية التي لم تخرج حتى أفقرت العباد ودمرت البلاد مما أقعدها عن النهوض والطيران مع باقي الدول المتطورة في سماء الحضارة والرقي والتطور الذي لا تزال شعوب العالم النامي تناشده ومن أجله قاومت الاستعمار البغيض لتعيش كبقية شعوب الأرض عزيزة كريمة وخاصة أن أصول المواد الخام ومرتكزات الصناعة التي في العالم المتطور جلها في أرض هذا العالم الذي لا حول له ولا قوة ولا عاصم له من الطامحين الطامعين إلا الله المولى العزيز الرحمان.

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة:

تبين لي من بحثي ومن خلال الدراسة التي قمت بها حول " صندوق النقد الدولي والعولمة الاقتصادية" أن لهذا الجهاز ملامح ومرتكزات يقوم عليها ويضطلع بها ليكرس الهيمنة العالمية على الدول الضعيفة، وأن هذا الجهاز الذي ذكرت بشيء من الإسهاب، ومن عدة جوانب هو جهاز كبقية الأجهزة المهيمنة الأخرى (البنك العالمي، والمنظمة العالمية للتجارة وغيرهما...) تسعى كلها جاهدة لتمكين الدول الكبار من احتكار الاقتصاد العالمي والاستفادة من عائداته لصالحها على حساب الدول الفقيرة التي ترزح تحت وطأة الثالوث الأكبر المميت:الفقر، الجهل، الحرب.

كما أن هذه الأجهزة لا تكرس هيمنة الدول الكبار على باقي دول العالم وخاصة الدول النامية فقط، بل تكرس هيمنة أخص وهي الأمركة لجميع المعاملات الاقتصادية، في جميع أوجه أنشطتها، من تجارة، تسويق، وصناعة، وإعلام واتصال..لتبقى أمريكا دائما سيدة العالم بفرضها القيود الخاصة والخطوط المرسومة، وذلك ما نراه في هيمنة الدولار على باقي عملات العالم بما في ذلك الين الياباني واليورو الأوروبي، وذلك منذ اتفاق بروتن وودز عام 1944 الذي جعل من الدولار الأمريكي والذهب وجهان لعملة واحدة، وأسفر عن هذا التماثل، وبشيء من المغالاة في إعطاء قيمة دائمة ومضمونة للدولار على باقي عملات العالم الأخرى، وهذا التخصيص جعل العالم تحكمه سياسة اقتصادية محركها الدولرة وقائدها الأمركة، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى نجد أن العالم النامي ومنه الجزائر التي تتجرع مرارة المديونية هي مدفوعة لترتيب بيتها -السياسة الاقتصادية- لتواكب رياح التغيير المفروض حولها والخروج من عنق الزجاجة حيث الانتقال من سياسة الاقتصاد المركزي إلى سياسة الاقتصاد الحر، وأن حوار الجزائر مع شركائها الأجانب من مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة الوحدة الإفريقية للتنمية لا بد له من تمهيد أرضية بمراعاة جملة من المعايير التي تجعل من استثمارنا مع هؤلاء خطوة مضمونة العواقب وذلك بمراعاة جملة من المعايير منها:

a  تنويع الصادرات، إذ يجب تلافي الاعتماد على تصدير المواد الأولية لكوننا في عالم متذبذب الأسعار نظرا لتغير الطلب من وقت لآخر أو من موسم لآخر.

a  تطوير الصادرات خارج المحروقات للعودة أساسا إلى الاستقرار الاقتصادي.

a  تحرير أكثر للتجارة الخارجية خارج المحروقات بزيادة قيمة التأمينات على القروض الممنوحة داخل الجزائر.

a  البحث أكثر عن مصادر الطاقة القابل للتجديد وإعطائها الأولية الكاملة لتطويرها وترقيتها.

a  إعطاء تسهيلات لفتح فروع بنكية في الجزائر وكذا المؤسسات المالية الأجنبية.

a  الترخيص للمقيمين وغير المقيمين من الأجانب بتحويل رؤوس أموالهم من خارج الجزائر إلى داخلها أو العكس بقصد تشجيع الصادرات خارج المحروقات لكون المحروقات مصدر من مصادر الطاقة غير المضمون لأنه غير قابل للتجديد.

a  إصلاح الجهاز الإداري وتطهيره من الفساد الذي كبل حركيته وأعطاه صورة مشينة، وتكريس مبدأ الشفافية في جميع المعاملات، وتمكين وتقريب الإدارة من المواطن.

وهذه وإن كانت المعايير الآنفة الذكر، والتي هي جملة من الحلول التي قد تضفي على سياسة البلد الاقتصادية سمة النهوض والقيام بعد النكبات التي أصابت البلد جراء السنوات العجاف من جهة، و بتسارع الأحداث التي غيرت مجرى التاريخ وجعلت من بلدنا بلدا مدينا للغرب بعد ما كانت تفيض خزانته العمومية بما ينوء على العصبة من الناس إحصاء مخزونها بالعملة الصعبة، هذا وإن كنت قد سلطت على بلدنا جملة من القضايا الدولية التي لهل علاقة بنا من بعيد ومن قريب، ولو بضوء خافت فهو يستهوي الكثير من الباحثين للغوص فيه أكثر والاستزادة والاقتراب من وجوه الحقيقة الكامنة للموضوعين:صندوق النقد الدولي والعولمة الاقتصادية اللذين كثيرا ما أسال الكثير من الكتّاب والباحثين في ذكرهما سيلا من الحبر وحسبي قول القائل: لكل شيء إذا ما تم نقصان، إذ الكمال لله وحده.

 

انتهى بعون الله وفضله ومنه سبحانه و تعالى.

                                                                                                           

                                                                                                              الباحث

ابوعلاء محمد بن علي بلعدل

 



[1]- انظر إلى الجدول المبين لحجم التصويت في قسم الملاحق.

[2] - Michel Camdessus Mannging Director of IFM, 2000a.

[3] - انظر إلى الجدول المبين لحجم التصويت في قسم الملاحق.

[4] - د.غسان منير حمزة سنو و د.علي أحمد الطراح، العولمة والدولة – الوطن والمجتمع العالمي

( دار النهضة العربية).

بول سالم، الولايات المتحدة والعولمة: معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين( الموقع الإلكتروني: http://www.fikrwanakd.aljabriabed.com).

 

[6] - لخضر إدريس و جموعي مشري ، جغرافيا الوطن العربي والعالم(الجزائر:الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، 2004).

[7] - لخضر إدريس و جموعي مشري ، مرجع سابق.

[8] - لخضر إدريس و جموعي مشري ، مرجع سابق.

[9] - لخضر إدريس و جموعي مشري ، مرجع سابق.

[10] - لخضر إدريس و جموعي مشري ، مرجع سابق.






Add a Comment